عبد الكريم الخطيب

878

التفسير القرآنى للقرآن

فقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ » . . هو استحضار للتقوى التي تدعو الإنسان إلى مراقبة نفسه ومحاسبتها . . وذلك ما أشار إليه قوله تعالى « وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ » وأما قوله تعالى بعد ذلك : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » فهو استحضار لتقوى اللّه ، في كل حال يقف المرء فيها مع نفسه موقف المحاسب والمراجع ، حتى لا يميل مع هواه . ولا تغلبه نفسه على ما تشتهى . . فالمراد بالأمر بتقوى اللّه هنا ، هو تقواه في تلك الحال ، أي واتقوا اللّه وأنتم تحاسبون أنفسكم ، فلا تميلوا معها ، ولا تتبعوا أهواءها . . قوله تعالى : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم ، هم أهل الضلال من المنافقين ، واليهود ، الذين خلت قلوبهم من تقوى اللّه ، وخشيته ، فلم ينظروا فيما يقدمون لغد ، بل شغلوا بما هم فيه من متاع الحياة الدنيا ، ونسوا اللّه ، ولم يذكروا عقابه ، ولم يستحضروا جلاله وعظمته ، فكان هذا النسيان للّه ، ولجلاله ، وعظمته ، سببا في نسيانهم لأنفسهم ، فلم ينظروا إلى المصير الذي هم صائرون إليه ، ولم يروا البلاء المحدق بهم من هذا الضلال الذي هم فيه . . ولو أنهم ذكروا اللّه ، وذكروا حسابه وعقابه ، لذكروا وجودهم هذا الذي يسبح في بحار الضلال ، ولعملوا جاهدين على إنقاذ أنفسهم مما هم فيه ، فكان نسيانهم للّه ، هو الداء الذي ران على قلوبهم ، وأعمى أبصارهم ، فلم يروا حقا ، ولم تقبل قلوبهم ما هو حق . وعلى هذا يكون فاعل الفعل أنساهم ضميرا عائدا على المصدر المفهوم من الفعل « نسوا اللّه » أي : فأنساهم هذا النسيان أنفسهم . . ويجوز أن يكون الفاعل ضمير لفظ الجلالة العائد على قوله تعالى : « نسوا اللّه » . . بمعنى : نسوا اللّه فعاقبهم اللّه بأن أنساهم أنفسهم .